Category: Uncategorized

  • من يرعى من؟

    من يرعى من؟

    نشهد، اليوم، جهوداً عظيمة ومباركة تبذلها مؤسسات الدولة في مجال الرعاية الصحية والاجتماعية، فقد أصبحت خدمات الرعاية الصحية متاحة لشرائح المجتمع كافة، وعلى رأسها فئة كبار المواطنين، بفضل جهود وزارة الصحة ووقاية المجتمع، ووزارة تمكين المجتمع، ووزارة الأسرة، والشركاء المعنيين، والذي نتج عن تعاونها في إطلاق برامج فعالة للرعاية المنزلية والمتابعة الطبية المستمرة.

    وفي الظروف الصحية التي قد تعيق كبار المواطنين عن التنقل إلى المستشفيات والعيادات، توفّر الجهات المعنية خدمات تمريضية متكاملة على مدار الساعة، داخل منازلهم، بما يشمل المتابعة الطبية، والرعاية التمريضية، والإشراف الوقائي.

    وبهذا، ينعم كبار المواطنين براحة وكرامة في محيطهم الأسري، بين جدران ألفوها، وذكريات صنعوها، دون الحاجة إلى الانتقال إلى مستشفيات أو دور رعاية.

    لكن، مع مرور الوقت، ظهرت إشكالية اجتماعية لافتة؛ إذ بدأ بعض الأبناء ينسحبون عاطفياً واجتماعياً من حياة والديهم، متكئين على وجود الممرضة أو الممرّض في المنزل. فلم تعد مهمة مقدّمي الرعاية محصورة في الجانب الصحي فحسب، بل تحوّلوا تدريجياً إلى الحاضن العاطفي الوحيد للوالد أو الوالدة، في ظل غياب الأبناء أو انشغالهم. وهذا الانسحاب الصامت، وإن كان غير مقصود أحياناً، فإنه يُفقد الوالدين شعورهما بأهميتهما ومكانتهما، ويزرع فيهما فراغاً نفسياً قاسياً لا تعوّضه أي خدمات.

    إنّ بر الوالدين لا يختزل في تلبية احتياجاتهما الصحية فقط، بل يمتد ليشمل الدعم النفسي، والاهتمام العاطفي، والوجود الحقيقي في حياتهما. فالجهات المعنية – مشكورة – قد رفعت عن الأبناء الكثير من أعباء العلاج والتمريض، لكن ذلك لا يعفيهم من مسؤوليتهم في بر ذويهم، والسؤال عنهم، والحديث معهم، ومشاركتهم الحياة اليومية، حتى لو كانت ببساطة فنجان قهوة وبعض «السوالف».

    كما أن على الأبناء ألّا يُثقلوا كاهل آبائهم في أعمارهم المتقدمة بهموم الدنيا، بل ليكونوا هم من يخففها عنهم، ويكونوا سنداً لهم، لا عبئاً إضافياً، فالراعي الحقيقي ليس من يُحضِر الدواء عند الحاجة وحسب، بل من يُقدّم الحنان، ويسكن القلوب، ويجعل شيخوخة الوالدين زمناً من الحب، لا العزلة.

  • احتفالات بلا سقف

    احتفالات بلا سقف

    أصبحت حفلات التخرّج في السنوات الأخيرة مصدر عبء وقلق إضافي على أولياء الأمور، بدلاً من أن تكون مناسبة سعيدة للاحتفال بإنجاز الأبناء، ففي كثير من المدارس، تُقام هذه الحفلات في أماكن خارجية فاخرة، تتطلب كُلفة مرتفعة، تُفرض على جميع الطلاب بشكل إلزامي.

    الأصل في حفلات التخرّج أن تكون لحظة فخر وبهجة، لا أن تتحول إلى مناسبة استهلاكية، لذا أقترح أن تُقام هذه الحفلات داخل مرافق المدرسة نفسها، وتحديداً في المسارح والقاعات المجهزة لهذا الغرض، من دون تحميل أولياء الأمور أي أعباء مالية إضافية، فبهذا نحافظ على رمزية المناسبة من دون إفراط في المظاهر أو الكُلفة.

    وما زاد الطين بلّة أن حفلات التخرّج لم تَعُد مقتصرة على نهاية المرحلة الثانوية فقط كما كان في السابق، بل أصبحت تقام أيضاً في نهاية كل مرحلة: الابتدائية، الإعدادية، هذا التوسّع أفقد التخرّج شيئاً من رمزيته، وأثقل كاهل الأسر بكُلفة لا داعي لها.

    من جهة أخرى، يُلزم كثير من الطلاب بشراء «رداء التخرّج»، وهو عادة ما يكون ذا كُلفة مرتفعة ويستخدم مرة واحدة فقط. في المقابل، نلاحظ أن كثيراً من الجامعات العالمية المرموقة، تتيح هذا الرداء للاستئجار، لا الشراء. وعليه، أقترح أن تتوافر داخل المدرسة مجموعة من أردية التخرّج بعدد كافٍٍ، لتتم استعارتها عند الحاجة، مع إمكانية الشراء لمن يرغب في ذلك طوعاً، من دون إلزام أو حرج، فهذا الرداء يستخدم مرة واحدة، وبعد شهرين فقط من استخدامه، سيقف ولي الأمر أمام شراء الملابس المدرسية لإخوة «الخريج»، وهي الأولى، حيث تُلبس لعام كامل.

    وبالحديث عن الزي المدرسي، فقد أصبح يتغيّـر كلما تغيّـر الشعار أو الهوية البصرية التابعان للمؤسسة التعليمية أو المدرسة، ما يجعل الزي القديم غير صالح للمشاركة أو الاستخدام بين الإخوة، ويُضِعف من مبدأ الاستدامة، لذا أقترح أن يكون شعار المدرسة والشعار المدرسي قابلًا للإزالة والتبديل، عبر قطعة منفصلة تُضاف إلى الملابس، وبهذه الطريقة، يمكن إعادة استخدام الزي نفسه مع تغيير الشعار فقط، سواء في حالة تطوير الهوية أو انتقال الطالب من مدرسة إلى أخرى ضمن النظام نفسه، والذي نتمنى أيضاً أن يتم توحيد الملابس بين المدارس الخاصة كافة، ما يحقق وفرة واستدامة في آنٍ واحد.

    في الختام، لابد من إعادة النظر في ممارسات التخرّج والزي المدرسي في القطاعين التعليميين، بما يحقق التوازن بين رمزية الاحتفال، والواقعية الاقتصادية، وراحة الأسرة، من دون أن نفقد الجوهر التربوي للمناسبة.

  • أخوي.. «عطني موعد»

    أخوي.. «عطني موعد»

    لم يكن اللقاء والتواصل سابقاً بين الإخوة داخل البيت بحاجة لمناسبة اجتماعية، فقد كان اللعب الجماعي، والنقاشات اليومية، وحتى الخلافات العابرة، جزءاً من النسيج الطبيعي للحياة الأسرية.

    أما اليوم، فبات من الممكن أن يمر يوم، أو حتى أيام، دون أن يرى الإخوة بعضهم بعضاً، رغم أنهم يعيشون تحت سقف واحد، فتحوّل المنزل إلى ما يشبه الفندق، لكل فرد غرفته، وجهازه، ووقته الخاص لتناول الطعام أو النوم.

    لقد أصبح التواصل بين الإخوة يتم في كثير من الأحيان عبر الهاتف أو الـ«واتس أب»، بدلاً من اللقاء المباشر. أحدهم في غرفته يشاهد فيلماً، والثاني منشغل بالألعاب الإلكترونية، والثالث يتناول طعامه بمفرده. حتى مائدة الطعام، التي كانت رمزاً للتجمّع الأسري، أصبحت خياراً فردياً، وربما ذكرى نادرة.

    هذا الشكل من التباعد، الذي يمكن وصفه بـ«التباعد الاجتماعي الأسري»، ليس مجرّد مظهر سطحي، بل مؤشر خطر على تغيّر ديناميكيات العلاقات داخل البيت. حين يفقد الإخوة التواصل اليومي، يضعف الرابط العاطفي بينهم، ويعتاد كل منهم الانعزال، ويبدأ بالنظر إلى الآخر كـ«شخص مقيم» أكثر منه شريكاً في الحياة.

    تتعدد أسباب هذه الظاهرة، بدءاً من الانغماس الرقمي، حيث أصبحت الأجهزة الذكية ملاذاً دائماً، تقدّم الترفيه والتواصل والتعليم في شاشة صغيرة.

    كذلك، اختلاف الجداول اليومية لأفراد الأسرة يجعل اللقاء أمراً صعباً، فكلٌّ منهم يعيش وفق توقيته الخاص. إلى جانب ذلك، فإن ضغوط الدراسة والواجبات والأنشطة قد تترك للطفل وقتاً محدوداً للتفاعل مع أسرته من جهة، وضغوط العمل على الوالدين من جهة أخرى. والأهم، حين يغيب النموذج الأسري المترابط، ويتقلص الحوار بين الوالدين، يصبح من الطبيعي أن لا ينشأ تواصل فعّال بين الإخوة.

    انعكاسات هذا التباعد تظهر بوضوح في الجوانب النفسية والاجتماعية.

    فالعزلة المستمرة تؤدي إلى ضعف الانتماء العائلي، وتُفقد الطفل فرصاً مهمة لاكتساب مهارات التفاعل، مثل الحوار والمشاركة، كما قد يشعر الطفل بوحدة عاطفية، حتى وهو محاط بأفراد أسرته، ما يفتح المجال لمشاعر القلق أو الاكتئاب. وعلى المدى البعيد، تصبح علاقة الإخوة سطحية، خالية من الذكريات المشتركة، وقائمة على المجاملات أو المصالح فقط.

    لكن الأمر ليس ميؤوساً منه، فالحلول تبدأ بخطوات بسيطة، مثل تخصيص وقت يومي أو أسبوعي للتواصل العائلي من دون أجهزة. يمكن خلق أنشطة مشتركة بين الإخوة مشابهة لما يفعلونه مع أصدقائهم، وفي كثير من الأحيان رفاقهم الرقميين، مثل مشاهدة البرامج والأفلام، وإعداد الطعام، واللعب معاً، أو حتى مشاركة الموضوعات والاهتمامات وآخر الأخبار (سوالف).

    كذلك، تشجيع الحوار والنقاش، وتبادل الآراء داخل الأسرة، وضبط استخدام الهواتف بطريقة متزنة، يفتح مساحة حقيقية للتواصل.

    في الختام، التواصل بين الإخوة ليس رفاهية، بل حاجة أساسية لنموهم العاطفي والاجتماعي. التباعد بينهم لا يبدأ من مسافات، بل من صمت طويل لا يُكسر، علينا أن نعيد إلى أجواء الأسرة صوتها، ولنمنح الإخوة فرصة أن يكونوا إخوة فاعلين لا غرباء

  • ابني لا يُجيد «العربية»

    ابني لا يُجيد «العربية»

    في العديد من المدارس الخاصة التي تعتمد المنهاج البريطاني أو الأميركي أو غيرهما من المناهج الدولية، أصبح الأطفال يتقنون اللغة الإنجليزية بطلاقة، لكنهم يواجهون صعوبة متزايدة في استخدام اللغة العربية. هذا التحوّل قد يبدو طبيعياً إلا أن آثاره تتجاوز حدود اللغة لتلامس الفكر، والهوية، والانتماء. من الجدير بالذكر ما قالته وزيرة التربية والتعليم سارة الأميري: «اللغة ليست مجرد لغة، فهي هوية، وترسخ ديني، وانتماء للوطن». هذه الكلمات تؤكد أن اللغة العربية تتجاوز كونها وسيلة تواصل؛ فهي أساس الهوية الدينية والوطنية.

    لقد أثبتت الدراسات أن اللغة الأم إذا لم تُدعَم بشكل فعّال فإنها ستتراجع لمصلحة لغة التعليم السائدة ، وهي الإنجليزية في حالتنا، وهو ما يُعرف بفقدان اللغة الأم. هذا التراجع لا يؤثر فقط في مهارات الطفل اللغوية، بل ينعكس أيضاً على تطوّره الأكاديمي والعاطفي والاجتماعي.

    وعلى عكس ما قد يظن البعض، فإن التعلم بلغات أجنبية لا يؤدي بالضرورة إلى تقدم علمي إذا جاء على حساب اللغة الأم، بل إن إهمالها قد يضعف القاعدة التي ينطلق منها الطفل نحو اكتساب المعرفة. وللتوضيح لا خلاف على أهمية تعلّم اللغات الأخرى والاطلاع على المصادر الأجنبية، لكن ينبغي أن يكون ذلك بالتوازي مع ترسيخ اللغة الأم لا على حسابها، حيث تشير دراسات متعددة إلى أن الأطفال الذين يتقنون أكثر من لغة يُظهرون تفوقاً في مهارات التركيز، والذاكرة، وحل المشكلات، لكن عندما تتراجع العربية – لغتهم الأم – فإن الطفل يفقد فوائد التوازن اللغوي والمعرفي التي كان من الممكن أن يحققها من خلال تعدد اللغات.

    أما من الناحية العاطفية، فإن الطفل الذي لا يستطيع التعبير عن نفسه بلغته الأم قد يشعر بالانفصال عن عائلته، خصوصاً عن الأجداد، ما يؤدي إلى ارتباك في الهوية، وتراجع في الثقة بالنفس، وضعف في الشعور بالانتماء.

    وعلى الصعيدين الاجتماعي والثقافي، يواجه الأطفال ضعيفو اللغة العربية صعوبة في فهم الممارسات الدينية، والقيم الوطنية، والتقاليد المجتمعية، وقد ينشأ بعضهم كغرباء في أوطانهم دون ثقافة تربطهم ببيئتهم ومحيطهم وأقرانهم من مواطني الدولة.

    في المقابل، فإن تعليم اللغة العربية إلى جانب التربية الإسلامية والتربية الوطنية يُعزّز الهوية منذ سنٍّ مبكرة، ويُرسّخ الاستقرار النفسي، ويدعم النجاح الأكاديمي على المدى البعيد، فالطفل الذي يتقن لغته الأم ينمو بثقة، ويشعر بانتماء عميق، ويفتخر بثقافته، ويكون أكثر استعداداً لمواجهة الحياة على المستويات الفكرية والنفسية والعقلية.

    وهذا بدوره ينعكس إيجاباً على تماسك المجتمع وقوة وحدته وعمق ولائه، فالمجتمعات التي تحافظ على لغتها الأم تحافظ على ذاكرتها الجمعية، وتُنشئ مواطنين أكثر وعياً بهويتهم، وأكثر ارتباطاً بقضايا وطنهم، وأعلى قدرة على الإسهام في خدمته.

  • «الرسوم الدراسية» إلى أين؟

    «الرسوم الدراسية» إلى أين؟

    في الآونة الأخيرة، وردني من عدد من أولياء الأمور أنهم فوجئوا بارتفاع غير متوقّع في رسوم المدارس الابتدائية، وقد عبّرت إحدى الأمهات عن ذلك، على حدّ وصفها، بعد أن قاموا بالفعل بسداد الدفعة الأولى أو الأقساط أو عربون حجز المقعد، كما يُسمّى. وقد سبب لهم ذلك إرباكاً، وتحديداً في فترة الصيف، إذ لم يعد أمامهم الوقت الكافي للبحث عن مدارس بديلة بأسعار معقولة، فمعظم المدارس يكون قد اكتمل حجز المقاعد فيها بالفعل. كما أن انشغالهم بالعمل يُقيّد خياراتهم، في حين أن كثيراً من الأسر قد بدأت قضاء عطلتها بالسفر، وبمجرد عودتهم يجدون أن مقاعد الأطفال قد شغرت بالكامل، وأن الوقت قد داهمهم.

    يُفضّل البعض عدم تغيير المدرسة التي نشأ فيها الطفل، لسببين رئيسين: أولاً، لأنها قريبة من المنزل، ما يوفّر سهولة في التوصيل، وراحة للطفل. وثانياً، لأن الدراسات الأكاديمية تشير إلى أن تغيير المدرسة يخلّف آثاراً سلبية ملموسة، فقد ارتبطت التنقلات الدراسية بانخفاض مستوى التحصيل العلمي، وظهور مشكلات سلوكية، وغيرها.

    كما أثبتت إحدى الدراسات أن الطلاب الذين يغيّرون مدارسهم في مرحلة الطفولة المبكرة يسجلون أداءً أقل في مهارات اللغة والرياضيات، مع تأثيرات اجتماعية وعاطفية طويلة الأمد. ولدينا أيضاً عامل نفسي مهم، فالتبديل المستمر يزعزع الاستقرار العاطفي، ويعيق بناء بيئة اجتماعية تتيح التكيّف والنمو المنتظم.

    في ظل هذه المعطيات، بات ضغط ارتفاع الرسوم يشكّل عاملاً مقلقاً، ويضع الأسر في مأزق في وقت حرج، فالآباء مجبرون على الدفع واستكمال العام الدراسي في مدرسة أصبحت فجأة غير ميسورة، أو المخاطرة بالإضرار بتعليم واستقرار أطفالهم بالبحث عن بدائل. وفي المقابل، لابد من حلول منهجية: ضبط الرسوم السنوية للمدارس على المدى طويل، وإلغاء أي زيادات مفاجئة خصوصاً بعد دفع أي عربون، وتحديد لائحة أسعار أكثر انتظاماً للطالب المسجل حالياً في المدرسة بمتابعة الجهات المعنية داخل الدولة.

  • القروض وثقافة الاستهلاك

    القروض وثقافة الاستهلاك

    نحن نعيش في مفارقة: غارقون في ثقافة استهلاكية مفرطة، على الرغم من أننا نغرق تحت وطأة الديون، فقد أصبح الاقتراض، سواء عبر بطاقات الائتمان أو القروض الشخصية أو خدمات «اشترِ الآن وادفع لاحقاً»، مثل «تمارا» و«تابي» أمراً طبيعياً، يُنظر إليه على أنه ضرورة يومية وحاجة ماسة، وفي بعض الأحيان ينظر إليه كنوع من «الذكاء المالي».

    هذه الإشكالية على خلاف ما يظن البعض، ليست مقتصرة على محيطنا العربي أو الخليجي، بل هي ظاهرة عالمية، حيث تشير تقارير حديثة إلى أن مواليد 1996 فلاحقاً يحملون ما يزيد على 345 ألف درهم كمتوسط ديون شخصية، أكثر من نصفها بسبب بطاقات الائتمان، في حين أن 3% فقط منهم يمتلكون منازل. وتُعدّ خدمات «اشترِ الآن وادفع لاحقاً» شائعة جداً عالمياً، حيث يستخدمها نحو 62% من الجيل ذاته، إذ يظن الشباب أنهم يحصلون على تلك الخدمات مجاناً إلا أنهم يفاجأون بوجود فوائد تظهر لاحقاً على خلاف أن كثيراً من المحال تقوم بزيادة رسوم بضاعتها في حين كان الدفع مقسطاً باستخدام تلك الخدمات، وفي كل الأحوال، ينعكس استخدام تلك الخدمات على الشباب بإفراطهم في الاستهلاك غير العقلاني.

    ما السبب؟ وسائل التواصل الاجتماعي هي الدافع الأول، فهي تشجع أسلوب الحياة الفاخر، وتدفع الناس إلى الشراء بدافع المقارنة والظهور والوجاهة الاجتماعية وملاحقة صيحات الموضة والأكثر رواجاً «تريند». وقد أظهرت دراسة أُجريت عام 2020 أن الاستهلاك الاستعراضي يُعدّ دافعاً رئيساً للاقتراض، خصوصاً لمن يحاولون مواكبة الآخرين.

    لكن الديون لا تؤثر في الأفراد فحسب، بل تُثقل كاهل العائلات، فالكثير من الآباء يضطرون إلى إنفاق مدخراتهم أو يواصلون العمل لفترات أطول، لدعم أبنائهم الذين تثقل كاهلهم القروض، وفي بعض الأحيان يضطر الآباء إلى الاقتراض لسداد ديون أبنائهم.

    لقد أصبح الدَين منهج حياة لدى الجيل الجديد، لكن الوعي والتغيير الجذري ليسا ممكنين إلا عبر التعليم، والتوعية بالاستهلاك المعتدل والعقلاني، وحين نجد أن إنقاذ الجيل الحالي قد يستحيل إدراكه، فعلينا على الأقل أن نسعى إلى حماية الأجيال القادمة الصاعدة، وفي الختام أستشهد بكلمة والدي، رحمه الله، ليس الغني من يحظى بالمال أو الملك الوفير، الغني هو من بات غير مديون لأحد.

  • هل أصبح إنجاب الأطفال مجرد رفاهية؟

    هل أصبح إنجاب الأطفال مجرد رفاهية؟

    في عالم اليوم لم يعد إنجاب الأطفال يُنظر إليه كخطوة أساسية في الحياة، بل بات يُعتبر رفاهية لا يقدر عليها الكثيرون، فقد شهدت معدلات الخصوبة تراجعاً حاداً في العديد من الدول، والأسباب تتجاوز الجوانب البيولوجية بكثير.

    تربية الطفل اليوم تأتي مع قائمة متزايدة من المتطلبات المالية والعاطفية والاجتماعية، فتكاليف المعيشة في ارتفاع مستمر من السكن والتعليم والرعاية الصحية إلى أبسط أشكال الحضانة، وكلها أصبحت أعباء ثقيلة على كاهل الأسر. وبالنسبة للأزواج الشباب، يبدو إنجاب أكثر من طفل خياراً شبه مستحيل في ظل هذه الضغوط وفي خضم تحديات التربية الحديثة التي باتت صعبة على الأسر في عالم مليء بالمتغيرات المتسارعة.

    كما أن متطلبات الحياة العصرية زادت من التوقعات المرجوة تجاه الآباء، فلم يعد المطلوب فقط هو الإنفاق، بل أيضاً الرعاية المستمرة، والتعليم المبكر، وتوفير الترفيه والتوجيه العاطفي. ورغم أن هذا التوجه يحمل جوانب إيجابية، فإنه يزيد من الضغط على الوالدين الذين يحاولون التوفيق بين وظائفهم وحياتهم العائلية.

    إلى جانب ذلك تلعب مفاهيم الحرية الشخصية ونمط الحياة دوراً في العزوف عن الإنجاب. كثيرون لا يرغبون في التضحية بالسفر أو الترفيه أو التقدّم المهني مقابل مسؤولية دائمة لرعاية الأطفال. وفي هذا السياق لم يعد يُنظر إلى الأطفال كمركز طبيعي للحياة الأسرية، بل كخيار يتطلب تضحيات مالية وشخصية عميقة.

    في النهاية، المشكلة ليست في أن الناس لا يريدون الأطفال، بل في أن المجتمع الحديث جعل الرغبة فيهم مقرونة بالخوف والقلق. وإذا استمرت هذه الظاهرة فعلينا أن نسأل أنفسنا: ما نوع العالم الذي نعيش فيه حتى أصبحت تربية الأطفال بهذا القدر من الصعوبة؟

  • «نهاية الأسبوع»: عطلة للراحة أم سباق لإنجاز المهام؟

    «نهاية الأسبوع»: عطلة للراحة أم سباق لإنجاز المهام؟

    لقد اختلف مفهوم الراحة بين الأمس واليوم، ففي السابق كانت عطلة نهاية الأسبوع ذات اعتبار لدى العائلة، مساحة للتوقف عن الركض اليومي، كانت تتجلى بالصباحات الهادئة، المائدة التي تجمع جميع أفراد العائلة، لقاءات مع الأقارب، نزهات بلا ضغوط، ولحظات من السكون تُعيد للجسد والعقل توازنهما. كان الناس يجتمعون، والأحاديث تمتد بلا كلل أو ملل، وكانت السكينة تغمر يومين ننتظرهما بشغف.

    لكن ذلك المفهوم تغيّر، أصبح كثيرون يجدون نهاية الأسبوع امتداداً لأسبوع العمل، لكن بلائحة مهام مختلفة. تتزاحم الطلبات والواجبات، وتزدحم قائمة المشتريات، وتظهر التزامات اجتماعية أو عائلية لا تنتهي. أما الوقت الذي كان مخصصاً للراحة، فقد تقلّص ليصبح ثانوياً، محشوراً بين المواعيد والمنبهات.

    لقد أسهمت التكنولوجيا في طمس الفاصل بين العمل والراحة؛ فالبريد الإلكتروني لا ينتظر صباح الإثنين، والرسائل تستمر في التدفّق بلا توقف، والهواتف لا تتوقف عن إرسال الإشعارات. حتى أوقات الاسترخاء تحوّلت إلى التزام ثابت مع وسائل التواصل الاجتماعي.

    المثالية أصبحت تعترينا، فصرنا نهدف إلى الإنتاجية في سائر الأوقات، حتى الأوقات المخصصة للراحة – سوف أستفيد من هذه الدقائق لإنجاز المهمة – أو إجراء بعض المكالمات ورسائل العمل. وبدلاً من أن نستعيد طاقتنا، نجد أنفسنا نصل إلى مساء الأحد أكثر تعباً مما كنا عليه مساء الجمعة.

    علينا أن نعي أن الراحة ليست ترفاً، بل ضرورة وجودية، على هذا العالم السريع أن يعيد تعلّم فن التوقّف بهدف التوازن، وعلى عطلة نهاية الأسبوع أن تحتوي على لحظات هدوء، وفرصة للتوقف قليلاً والتأمل، وأن نتعلم «ألا نقوم بشيء» ولو لبضع من الوقت.

    الراحة الحقيقية لا تتعلّق فقط بالجسد، بل بالعقل والروح. وربما حان الوقت لنستعيد عطلة نهاية الأسبوع لا كسباق مهام، بل كمساحة للترميم الداخلي، حيث يصبح «اللاشيء» هو أعظم ما يمكننا فعله.

  • كيف تُصبح مستشاراً أسرياً دون خبرة؟

    كيف تُصبح مستشاراً أسرياً دون خبرة؟

    مستشار معتمد، خبير معتمد، محلياً وإقليمياً وعالمياً، دكتوراه مهنية، ماجستير مهني.. اختلفت المسميات والطريقة واحدة: دورة تدريبية قصيرة تنتهي بتخريج عشرات «المستشارين المعتمدين» في شتى المجالات. ولعلَّ الأكثر تداولاً الآن هو في الشؤون القانونية والأسرية، دون أي خبرة مسبقة في هذا المجال.

    بمجرد انتهاء البرنامج التدريبي، يحصل المتدرب على مجموعة من الألقاب والبطاقات والأوسمة التي تمنحه شعوراً زائفاً بالاستحقاق المهني باعتقادي.

    سواء قُدِّمت هذه البرامج داخل الدولة أو خارجها، فكلاهما لا يتطلب أي اختبارات تطبيقية أو ساعات عملية لدى الجهات المختصة. فيباشر هذا «المتدرب» العمل هنا وهناك، ويصبح مؤتمناً على مصير العائلة، والميثاق الغليظ، ومستقبل الأطفال، باجتهاد شخصي ينمّ عن آراء غير موضوعية، ولربما تجارب فاشلة أو تداول بين الأصدقاء في المقاهي والمجالس. هكذا قد يُدار مستقبل أسرٍ لجأت للخيار الأخير لإنقاذها.

    يجب أن تخضع هذه البرامج، سواء كانت داخل الدولة أو خارجها، إلى تقييم تخصصي لاعتمادها. فالاعتماد الحالي يقتصر على مراجعة المحاور الكتابية فقط، دون أي اختبارات عملية أو دراسات تطبيقية تتحقق من فاعلية البرنامج. ولا يوجد اعتماد فعلي للمنشآت التطبيقية التي تتعاون معها المراكز التدريبية، أو للعضويات المهنية من أطراف ثالثة. ناهيكم عن عدم جدوى الدبلومات المهنية مثل «الماجستير المهني» و«الدكتوراه المهنية»، التي بسببها بدأنا نرى انتشار حرف «الدال»، في حين أن الخريج المهني لا يحصل على المرتبة الأكاديمية.

    كما ينبغي على الجهات التخصصية أن تقوم بتقييم المنتسبين إليها بغرض تخريجهم واعتمادهم في البرامج التدريبية، من خلال وضع خطة صارمة ومعايير واضحة، مثل عدد ساعات العمل، والحالات التي يشتغل عليها المتدرب تحت إشراف مباشر من مختصين ممارسين. وقد يكون هذا العمل تطوعياً بغرض استيفاء متطلبات التخرج في البرنامج التدريبي.

  • لماذا تُبقي الشركات على المدير السيئ؟

    لماذا تُبقي الشركات على المدير السيئ؟

    في مقال اليوم يسرني أن أشارككم إحدى المقالات التي راقت لي، وأجدها تنعكس على واقعنا وحياتنا العملية في كثير من الأحيان، أتبنى فيه النقاط الخمس الأساسية المذكورة أدناه:

    من السهل أن نعتقد أن المدير السيئ يظل في منصبه نتيجة إهمال أو جهل من قبل الشركة، لكن الواقع مختلف تماماً، بل غالباً ما يكون صادماً، فالشركات – في كثير من الأحيان – تُبقي على هذا النوع من المديرين عن قصد، لا عن غفلة، ليس لأنه الأفضل أو الأكثر كفاءة، بل لأنه يؤدي وظائف معيّنة لا يرغب غيره في أدائها، أو يخدم مصالح الإدارة بطريقة ما.

    ورغم أن وجوده يقتل الإبداع، ويجعل الموظفين يكرهون وظائفهم، ويُفقد الفريق روحه، إلا أن هناك أسباباً خفية – وأحياناً معلنة – تدفع الشركات إلى إبقائه في مكانه.

    أول هذه الأسباب أنه يكون في كثير من الحالات منفذاً مطيعاً للإدارة العليا، لا يعارض السياسات، ولا يناقش التعليمات، بل يطبّقها مهما كانت قاسية أو غير عادلة. هذا النوع من المديرين مريح للإدارة، لأنه ينفذ ما يُطلب منه دون تردد، حتى لو أدى ذلك إلى تدمير الفريق.

    وثانياً، بعض المديرين السيئين يتميزون بذكاء اجتماعي مفرط في التملق، وليس في القيادة، إنهم خبراء في بناء التحالفات داخل المؤسسة، ويعرفون جيداً كيف يظهرون بمظهر القادة أمام المسؤولين الكبار. يتقنون لعبة «نَسب النجاحات لأنفسهم» و«إلقاء اللوم على غيرهم»، ما يجعلهم ناجين دائماً من المساءلة.

    أما السبب الثالث فهو تحقيق النتائج في بيئات العمل التي لا تهتم كثيراً برفاهية الموظفين أو بجودة بيئة العمل، قد يكون المدير السيئ هو الشخص الذي ينجز المهام، ويحقق الأهداف، حتى لو كان ذلك على حساب راحة الفريق وسلامته النفسية. في مثل هذه البيئات، الأرقام أهم من البشر.

    رابعاً، تكلفة استبداله عالية، إقالة المدير لا تعني فقدان موظف فحسب، بل دخول الشركة في دوامة من البحث والتوظيف والتدريب وإعادة توزيع المهام، هذا كله قد يربك سير العمل ويؤثر في الفريق بأكمله، لذا قد يكون بقاء المدير الحالي رغم مشكلاته هو «الخيار الأقل سوءاً» بالنسبة للإدارة.

    ولا يمكن إغفال السبب الخامس، وهو الخوف من الاعتراف بالخطأ، ففي بعض المؤسسات، مَن عيّن المدير السيئ لا يريد الاعتراف بأنه اتخذ قراراً خطأً، وحفاظاً على مكانته وصورته أمام الآخرين، يُبقي عليه في موقعه، حتى لو كانت النتائج واضحة للجميع.

    وإذا كنت أحد الموظفين الذين يعملون تحت إدارة من هذا النوع، فلا تعلّق آمالك كثيراً على تغييره، بل اعمل على تطوير نفسك، وتوسيع شبكة علاقاتك، والتفكير بخطة خروج ذكية عند الحاجة، لأن الشركة التي لا تحمي موظفيها اليوم، لن تحميك غداً عندما تحتاجها حقاً.